أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
175
عجائب المقدور في نوائب تيمور
فلم يزالوا في مراح وزروع ، ومراع وضروع ، بين سدر مخضود ، وطلح منضود ، وظل ممدود ، وماء مسكوب ، وهواء بالراحة مصبوب ، ونعيم بالسلامة مصحوب ، في أمن ودعه ، وخصب وسعه ، آمنا من الوجل ، سائرا على غير عجل ، مستيقنا بالنصر والظفر ، مستبشرا بالملك والوزر ، مستتبعا تدبيره القضاء والقدر ، لا تبرد حرارة حميته لتسخين عين عدوه وإحراز المغنم البارد فتره ، ولا في إكليل كواكب عساكره المنتظمة نثره ، ولا بين أسود جيشه مكاشره ولا نفره ، ولا في قراهم الأعادي اللهذميات « 1 » على موائد طعام طعانهم جبن ولا كسره . فلم يفق ابن عثمان من رقاده ، إلا وتيمور قد دمّر على بلاده ، فقامت عليه القيامة ، وأكل يديه حسرة وندامه ، وزأر وزقا ، والتهب حنقا ، وكاد أن يموت خنقا ، وسلب القرار والهجوع ، وعزم في الحال على الرجوع ، فتلاطمت من بحر عساكر أمواجه ، وتصادمت اثباج أطواده وأبراجه ، فرجع عوده على بدئه ، وأغري بوصال السير وخجئه « 2 » ، فنهكهم السير بسرعة ، والمكان بقفره ، والزمان بهجيره ، والسلطان بزئيره ، فلم يدركوه إلا وقد ذاب كل منهم وصبا ، وتلا لسان حاله : لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً « 3 » . فصل : وكان تيمور قد وصل إلى مدينة أنقره ، وخيله ورجله مستريحة موقره ، للقتال منتظره ، وللنزال متشمره ، بل لم يكونوا به مكترثين ، ولا به محتفلين ، وقد سبقوا كصناديد قريش إلى الماء ، وتركوا عساكره كمشركي بدر في جانب الظماء ، فهلكوا كربا وأواما ، وذابوا عطشا بلا ماء ، وكأنه إلى ذلك المنزل هو أرشدهم ، وبلسان حاله أنشدهم ، شعرا : يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا * نحن الضيوف وأنت رب المنزل
--> ( 1 ) - اللهذم : كل شيء حاد من سنان وسيف قاطع . العين ( 2 ) - اختج الجمل والناشط في سيره وعدوه إذا لم يستقم . العين ( 3 ) - سورة الكهف - الآية : 62